محمد بن جرير الطبري

100

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

الرسول بكتاب معاوية بن حديج اليه ، فاقراه إياه ، فلما قراه قال : ان مسلمه ابن مخلد قد أمرني ان أراد اليه الكتاب إذا قرأته لكي يجيب معاوية عنك وعنه قال : قل له فليفعل ، ودفع اليه الكتاب ، فأتاه ثم كتب مسلمه عن نفسه وعن معاوية بن حديج : اما بعد ، فان هذا الأمر الذي بذلنا له نفسنا ، واتبعنا امر الله فيه ، امر نرجو به ثواب ربنا ، والنصر ممن خالفنا ، وتعجيل النقمه لمن سعى على امامنا ، وطأطأ الركض في جهادنا ، ونحن بهذا الحيز من الأرض قد نفينا من كان به من أهل البغى ، وأنهضنا من كان به من أهل القسط والعدل ، وقد ذكرت المواساه في سلطانك ودنياك ، وبالله ان ذلك لامر ما له نهضنا ، ولا إياه أردنا ، فان يجمع الله لنا ما نطلب ، ويؤتنا ما تمنينا ، فان الدنيا والآخرة لله رب العالمين ، وقد يؤتيهما الله معا عالما من خلقه ، كما قال في كتابه ، ولا خلف لموعوده ، قال : « فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » ، عجل علينا خيلك ورجلك ، فان عدونا قد كان علينا حربا ، وكنا فيهم قليلا ، فقد أصبحوا لنا هائبين ، وأصبحنا لهم مقرنين ، فان يأتنا الله بمدد من قبلك يفتح الله عليكم ، ولا حول ولا قوه الا بالله ، و حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، والسلام عليك قال : فجاءه هذا الكتاب وهو يومئذ بفلسطين ، فدعا النفر الذين سماهم في الكتاب فقال : ما ذا ترون ؟ قالوا : الرأي ان تبعث جندا من قبلك ، فإنك تفتتحها بإذن الله قال معاوية : فتجهز يا أبا عبد الله إليها - يعنى عمرو بن العاص - قال : فبعثه في سته آلاف رجل ، وخرج معاوية وودعه وقال له عند وداعه إياه : أوصيك يا عمرو بتقوى الله والرفق فإنه يمن ، وبالمهل والتوؤده ، فان العجله من الشيطان ، وبان تقبل ممن اقبل ، وان تعفو عمن ادبر ، فان قبل فبها ونعمت ، وان أبى فان السطوة بعد المعذرة أبلغ في الحجة ، وأحسن في العاقبة ، وادع الناس إلى الصلح والجماعة ،